ابن العربي
651
أحكام القرآن
ونحن نقول : أراد به الجنس والقدر جميعا ، وذلك مدّ بمدّ النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ وهو العدل من القدر . وقد بيّن « 1 » النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في كفارة الأذى فرقا بين ستة مساكين . والفرق ثلاثة آصع - مجمل « 2 » قوله صدقة ، ولم يجمل اللّه سبحانه وتعالى في كفارة اليمين ، بل قال : مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ، وقد كان عندهم جنس ما يطعمون وقدره معلوما ، ووسط القدر مدّ ، وأطلق في كفارة الظّهار فقال « 3 » : فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ، فحمل على الأكثر ، وهذه سبيل مهيع « 4 » ، ولم يرد مطلق ذلك إلى مقيّده ، ولا عامّه إلى خاصه ، ولا مجمله إلى مفسّره . المسألة الخامسة عشرة - لا بدّ عندنا وعند الشافعي من تمليك المساكين ما يخرج لهم ، ودفعه إليهم حتى يتملّكوه ويتصرفوا فيه . وقال أبو حنيفة : لو غدّاهم وعشّاهم جاز ، وقد روى عن مالك مثله . وهو اختيار ابن الماجشون ؛ وهي طيولية تكلّمنا عليها في مسائل الخلاف . وحقيقة المسألة أنّ عبد الملك قال : إن التمكين من الطعام إطعام ، قال اللّه تعالى « 5 » : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً . فبأىّ وجه أطعمه دخل في الآية . وأما غيره فقال : إنّ الإطعام هو التمليك حقيقة ، قال تعالى « 6 » وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ . وفي الحديث : أطعم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الجدة السدس ؛ وذلك لأن « أطعم » من الأفعال المتعدّية إلى مفعولين ، كقولنا أعطيته ، فيقول : طعم زيد ، وأطعمته ؛ أي جعلته يطعم ، وحقيقته بالتمليك هذه بنيّة النظر للفريقين . وتحريره أنّ الآية محتملة للوجهين ، فمن يدّعى التمليك هو الذي يخصّص العموم فعليه الدليل ، ونخصّه نحن بالقياس حملا على زكاة الفطر . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : أغنوهم عن سؤال هذا اليوم . فلم يجز فيه إلا التمليك . وهذا بالغ ، ولا سيما والمقصود من الإطعام التمليك التام الذي يتمكّن منه المسكين من الطعام تمكن المالك ، كالكسوة ؛
--> ( 1 ) صحيح مسلم : 861 . ( 2 ) هكذا في الأصول . ( 3 ) سورة المجادلة ، آية 4 ( 4 ) مهيع : بين . ( 5 ) سورة الإنسان ، آية 8 . ( 6 ) سورة الأنعام ، آية 14